حبيب الله الهاشمي الخوئي

11

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ثمّ قال : ليس يشكّ أحد من الناس أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان عاقلا كامل العقل أمّا المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم ، وأمّا اليهود والنصارى والفلاسفة فيزعمون أنّه حكيم تامّ الحكمة سديد الرّأى أقام ملَّة وشرع شريعة فاستجد ملكا عظيما بعقله وتدبيره ، وهذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب وغرايزهم وطلبهم بالثارات والذّحول ( 1 ) ولو بعد الأزمان المتطاولة ، وكان يقتل الرّجل من القبيلة رجلا من بيت آخر ، فلا يزال أهل ذلك المقتول وأقاربه يتطلَّبون القاتل ليقتلوه حتى يدركوا ثارهم منه ، فإن لم يظفروا به قتلوا بعض أقاربه وأهله فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة وإن لم يكونوا رهطه الأدنين ، والاسلام لم يحل طبائعهم ولا غيّر هذه السجيّة المركوزة في أخلاقهم والغرايز بحالها . فكيف يتوهّم لبيب أنّ هذا العاقل وتر العرب وعلى الخصوص قريشا وساعده على سفك الدّماء وإزهاق الأنفس وتقلَّد الضغائن ابن عمّه الأدنى وصهره وهو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس ويتركه بعده وعنده ابنته ولد منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره حنوا عليهما ومحبّة لهما ، ويعدل عنه في الأمر بعده ولا ينصّ عليه ولا يستخلفه ، فيحقن دمه ودم بنيه وأهله باستخلافه . ألا يعلم هذا العاقل الكامل أنّه إذا تركه وترك بنيه وأهله سوقة رعيّة فقد عرض دماءهم للاراقة بعده ، بل يكون هو الَّذي قتله وأشاط بدمائهم ، لأنّهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم ، وإنّما يكونون مضغة للاكل وفريسة للمفترس يتخطَّفهم النّاس ويبلغ فيهم الأغراض . فأمّا إذا جعل السّلطان فيهم والأمر إليهم فانّه يكون قد عصمهم وحقن دماءهم بالرّياسة الَّتي يصولون بها ، ويرتدع النّاس عنهم لأجلها ، ومثل هذا معلوم بالتّجربة . ألا ترى أنّ ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل النّاس ووترهم وأبقي في

--> ( 1 ) الذحل : الثار أو طلب مكافاة بجناية جنيت عليك أو عداوة اتيت إليك ، أو هو العداوة والحقد ، جمعه اذحال وذحول . ق .